ابن تيميه
187
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
مع أن اللّه لم يعظّم في القرآن جبلا أعظم منه ، وسماه الوادي المقدس والبقعة المباركة . فإذا كان مثل هذا الجبل لا تشدّ الرّحال إليه فإنه لا تشدّ الرحال إلى ما يعظم من الغيران « 1 » ، والجبال ؛ مثل جبل لبنان وقاسيون ونحوهما بالشام ، وجبل الفتح ونحوه بصعيد مصر ؛ بطريق الأولى . بل إذا كان الصحابة لم يكونوا يسافرون إلى الطور ونحوه ، بل ولا يزورون إذا قدموا مكة لا جبل حراء الذي نزل فيه الوحي ابتداء ، ولا غار ثور المذكور في القرآن الذي كان فيه النبي صلى اللّه عليه وسلّم وصاحبه واللّه ثالثهما . وفيه قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم لأبي بكر : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [ التوبة : 40 ] . والنبي صلى اللّه عليه وسلّم بعد نزول الوحي عليه لم يقرب ذلك الغار ولا غيره مما بمكة إلا المسجد الحرام والمشاعر . وكذلك لما حجّ إنما ذهب إلى المسجد الحرام والمشاعر . وقد ثبت في الصحيح أنها أحب البقاع إلى اللّه تعالى ، فأغنى ذلك عن غيرها ، ولهذا لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد باتفاق الأئمة ، ولو نذره في غير مسجد لم يوف بنذره فإنه غير جائز . وقد تقدم عن الصحابة ؛ أبي سعيد وابن عمر وبصرة بن أبي بصرة أنهم نهوا عن السفر إلى الطور لقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » . ولفظ أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم وغيره : « لا تشدّوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » بصيغة النهي الصريحة ، ورواه أحمد في « المسند » من حديث أبي هريرة من طريقين . والأماكن التي ينهى عن الصلاة فيها كأعطان الإبل والحمام هي مأوى الشياطين ، وكذلك ما يسافر إليه بعض الناس من المغارات ونحوه من الجبال ، قاصدين لتعظيم تلك البقعة بالشام ومصر والجزيرة وخراسان وغيرها ، وكل موضع تعظّمه الناس غير المساجد ومشاعر الحج فإنه مأوى الشياطين ، ويتصورون بصورة بني آدم أحيانا حتى يظنّ كثير من الناس أنهم من الإنس وأنهم رجال الغيب ، ويقولون : الأربعون الأبدال بجبل لبنان أو غيره من الجبال ، وهي مأوى الجن وهم رجال الغيب ، كما قال تعالى : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً [ الجن : 6 ] سماهم اللّه رجالا ، وسمّوا جنا لأنهم يجتنون عن الأبصار ؛ أي : يستترون ، كما تسمّى الإنس إنسا ؛ لأنهم يؤنسون أي : يبصرون ، كما قال موسى عليه السلام : إِنِّي آنَسْتُ ناراً [ طه : 10 ] أي : أبصرت نارا . والحكايات عنهم في هذا الباب كثيرة معروفة ، لكن كثير من الناس يعتقد أنهم من الإنس ، وأنهم صالحون يغيبون عن أبصار الخلائق ، ولا ريب أن بعض الإنس قد يحجبه اللّه أحيانا عن أبصار بعض الناس إما إكراما له ، أو منعا له من ظلمهم إن كان
--> ( 1 ) « جمع غار ، مثل غار حراء الذي كان يتحنث فيه النبي صلى اللّه عليه وسلّم قبل النبوة » ( م ) .